الأخلاق النفعية/ الشيخ مازن المطوري الحلقة الأولى
سماحة الشيخ مازن المطوري
2013/06/21

 

 

 

تنوّعت أبحاث الحكمة العمليّة مُنذ القدم إلى أنواع ثلاثة: تدبير المدن (السياسة) وتدبير المنزل (الأسرة) وتدبير النفس (الأخلاق), وكلّ واحد من هذه الأنواع تشعّب البحث فيه أقساماً عديدة.

ولقد حظي البحث عن الأخلاق وفلسفتها والفضائل والرذائل وقواعد السلوك الأخلاقي بحظّ وافر من الدراسات مُنذ غابر الزمان. فقد اهتم بها فلاسفة الهند والصين والإغريق قبل الميلاد, وكذا زاد الاهتمام بها بعد ذلك حتّى يوم الناس هذا عند مختلف شعوب العالم.

ولكن في حدود متابعتنا لهذا الموضوع المهم والخطير, لا حظنا أن مادة الأخلاق لم تحظَ في تراث المسلمين وفي العصر الحديث بالاهتمام, لدرجة أن المتابع يلاحظ أن الدراسات التي عنت بالجانب الأخلاقي كانت ضئيلة جداً وخجولة.

ولا نقصد بمادة الأخلاق البحث عن مفردات السلوك الأخلاقي؛ من الصبر والصدق وعرفان الجميل والتعاون ومساعدة المعدمين وغيرها من المفردات التي زخرت بها كتب الوعظ والإرشاد. وإنّما نعني بها البحث عن أسس الأخلاق النظريّة التي تتكفّل تظهير المعايير التي بموجبها يتمّ حساب الأخلاق, بنحو تشكّل لدينا نظريّة أخلاقيّة تبحث عن المسؤولية والإلزام ومصادره, ومعياريّة الفعل الأخلاقي وأساس القيم, ونقد النظريات الأخلاقيّة المختلفة. ذلك أن المسألة الأخلاقية لها جانبان: جانب مرتبط بالنظر والأسس العامّة للأخلاق, والجانب الآخر مرتبط بالعمل وبيان أنماط السلوك الفردي والجمعي في جميع جوانبه العمليّة.

وهذا الأخير قد حظي بإهتمام المسلمين مُنذ القدم, وزخرت البحوث والدراسات التي تناولت الأخلاق العملية وبيان الفضائل والرذائل, وكتبت في ذلك موسوعات كبيرة في الماضي والحاضر.

أما الجانب الأوّل فلم يحظ بالاهتمام اللازم, ولا تجد نظريّة أخلاقيّة موحدة لدى المسلمين في ذلك تقوم على أسس تنظيريّة, غير متابعة نظريّة الحد الوسط الأرسطيّة على عِلّاتها. اللهمَّ إلا دراسة الدكتور محمد عبد الله درّاز الموسومة (دستور الأخلاق في القرآن) والتي لا تخلو من مشكلات, وشذرات للمرحوم الشهيد مرتضى المطهّري التي تناول فيها بعض جوانب المسألة الأخلاقيّة.

إن البحث عن مصدر الأخلاق وقواعد الإلزام الأخلاقي, والمسؤوليّة ومعيار الفعل الأخلاقي, والعلاقة بين الدين والأخلاق, ونقد النظريات الأخلاقيّة المختلفة, لهو بحث خطير لا بدَّ من الاهتمام المكثّف به ودراسته دراسة جادة.

وفي مقالتنا هذه سوف نتناول نمطاً من التفكير الأخلاقي حاول إقامة الأخلاق على دعامة المنفعة العامّة ورعاية مصالح المجتمع, أو ما يعرف بأخلاق (المنفعة العامّة). وسوف تكون خطّتنا أن نعطي في البدء لمحةً تاريخيّة عن جذور هذا النمط من التفكير الأخلاقي, ثم نسعف ذلك باستعراض نماذج من ممثّلي هذا الاتجاه وما قالوه في هذا الإطار مع تسجيل بعض الملاحظات في طيّ ذلك, ثمّ نعمد إلى الوقوف عند ملاحظات عامّة تحت عناوين مختلفة, تعبّر عن جوهر الخلاف بين هذا النمط من الأخلاق (الأخلاق النفعية) وبين ما نؤمن به. آملاً أن تكون مقالتنا هذه خطوة تتبعها خطوات على طريق الإهتمام بهذه البحوث, التي تزداد أهميتها يوماً بعد آخر في ظلّ الأزمة

الأخلاقيّة الكبرى التي تعيشها مجتمعاتنا. وما توفيقي إلا بالله.

جذور نظريات أخلاق المنفعة

لم تنقطع الصلة بين النظريات الأخلاقيّة المعاصرة في عالم الغرب وبين النظريات الأخلاقيّة عند فلاسفة اليونان, فنظرة فاحصة على مجمل النظريات الأخلاقيّة التي سادت عالم الغرب تكشف لنا عن تأثّرها بنحو كبير بالنظريات اليونانيّة, فعلى سبيل المثال إن النظرة المقارنة للنظرية الأخلاقيّة عند ديكارت (1569- 1650م) تؤدّي إلى القول أنها ليست إلا الأخلاق لدى الرواقيّين, وكذا نجد أن مذاهب المنفعة المعاصرة ما هي إلا مذهب أرستبوس وأبيقور مع بعض التعديلات.

نعم فلقد ذهب أرستبوسالقوريناي (435- 366 ق. م) إلى أن اللذّة هي صوت الطبيعة, وأن الغريزة هي المحرّك الأوّل لأفعال البشر مثله في ذلك كمثل الحيوان والطفل, وقد جعل أرستبوس اللذّة والألم معياراً لقياس خيّرية الأفعال وشرفيّتها, وقد قَصر اللذّات على البدنيّة فأدى ذلك إلى نشأة الأخلاق على وجدان الشعور والألم. فاللذة هي الخير الأعظم وهي مقياس القيم جميعاً, فلا خجل ولا حياء, وما القيود والحدود إلا من وضع العرف[1].

وجاء من بعده خلفه أبيقور (341- 270 ق. م) فاتفق معه من أصل نشدان البشر اللذّة بدافع الغريزة, ولكنّه رأى أنه مع أن اللذّة هي الخير الأعظم إلا أن لها أحياناً عواقب قد لا تكون خيراً, فالإفراط في اللذّات يؤدي إلى أضرار جسيمة, فنادى بضرورة اجتناب اللذّات التي تجر آلاماً لأنها عائقة عن تحقيق السعادة. وقد عبّر أبيقور عن معارضته لسلفه أرستبوس في

اعتبار اللذّة مطلقة, إذ فطن إلى نسبية اللذّة لأنها تقاس دائماً بالألم المقابل لها إذ الأشياء تعرف بأضدادها.

وفي الوقت ذاته أعلى أبيقور من شأن اللذّات الروحية, وأصبحت الأخلاق لديه بمثابة تهذيب اللذّات النبيلة كالصداقة والحكمة وغيرها. ولم يقف عند هذا الحدّ بل دعا أيضاً إلى التحكّم في الدوافع الدُنيا, واعتبر الفضيلة مظهراً من مظاهر ضبط النفس وتغليب القيم العُليا على القيم الدُنيا[2].

وبما أنّنا نتكلم عن جذور نظريات أخلاق اللذّة (المنفعة) في كلمات اليونانيّين, لا بأس بأن نجرَّ الكلام إلىأرسطو(384- 322 ق. م) لنستعلم رأيه فيها, وفي هذا المضمار يتوافق أرسطو مع أولئك الفلاسفة في أن البشر قاطبة يطلبون اللذّة ويتجنبون الألم, بل ذهب إلى القول بوجود نوع من التكافؤ بين الحياة واللذّة. وهذا معناه أنّنا نقع في تناقض عندما نتصوّر وجود كائن يقبل الألم ويعزف عن اللذّة, لأن جاذبية اللذّة تتمتّع بضَرْب من الوضوح أو البداهة, وكأن اللذّة في لسان أرسطو هي المعبّر عن هوية الكائن البشري. وأكثر من ذلك حينما يقرّر لنا أن اللذّة هي البيّنة التي ليست بحاجة إلى تبرير أو تفسير, لأنها تمتلك من قوة الإقناع وسحر البيان ما يعجز عن الردّ عليه أيّ منطق عقلي كائناً ما كان[3].

بيد أنه مع كلّ ذلك يؤكّد: أنّنا لو أنعمنا النظر في اللذّة لوجدناها مجرّد عَرَض أو علاقة تصاحب حالةً جسميّةً ليس إلا[4].

وفي العصر الحديث ظهر المذهب النفعي في كلّ المدارس التي قرّرت المنفعة كقيمة

عليا, ولكن مع إدخال الفكر لتنظيم اللذّات لأنها لو تركت وشأنها لتحولت إلى حشد متناقض من اللذّات ولأثّرت بوعي الإنسان وإدراكه. ومن ثمَّ فإدخال الفكر والعلم ينتقل بنا إلى مذهب اللذّة الأبيقوري ولكنّه معدّلاً. وبقول آخر: تريد مدارس المنفعة لنفسها أن تكون مجرّد تصحيح عقلي لفلسفة اللذّة.

وجاء القرن السابع عشر الميلادي فرأى كلّ من: توماس هوبز (1588- 1679م) وبطرس جاسندي (1592- 1655م)[5] أن ما ينشده الإنسان بالفعل وما ينبغي عليه أن يتلمّسه هو لذّته الخاصة, أو منفعته الشخصيّة.

وفي أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر بُعثت التعاليم الأخلاقية الأبيقورية على يد الفلاسفة الفرنسيّين, كما تجلّت هذه التعاليم كذلك في مذهب المنفعة العامّة واشتغلت بها إنكلترا وأمريكا في القرنين التاسع عشر والعشرين. بل يمكن القول بضرس قاطع أن المدرسة النفعيّة - التي تعدّ النسخة المعدّلة لمذهب اللذّة الأبيقوري- قد انتشرت في عالم الغرب انتشار النار في الهشيم, ذلك أنه قد ازدهرت النزعة التجريبيّة في عالم الغرب, وتجلّت هذه النزعة بوضوح في المجال الأخلاقي, فمعالم المدرسة النفعيّة تتلخّص في اجماع مفكريها -كما سنعرف ذلك- على القول بأن اللذّة أو المنفعة هي الخير المرغوب فيه, والألم هو الشر الذي يجب تفاديه, ومن ثمّ تكون المنفعة مقياس الخير والألم مقياس الشر. غاية الأمر أن هذا الإتجاهالأخلاقي الخطير قد ابتغى أسلافه السعي وراء اللذّة الشخصيّة والمنفعة الفرديّة كأرستبوس وأبيقور.. أمّا من جاء بعدهم فقد التمسوا المنفعة

العامّة, وهم الفلاسفة المحدَثون الذين طالبوا بتحقيق أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من البشر.

أجل؛ ففي الحكمة الحديثة في العالم الناطق بالإنجليزيّة نجد التيار يسوق هذه الفلسفة صوب التجريبيّة منهجاً وصوب البراجماتيّة كسياق حضاري, وسرعان ما تحوّل في نهاية القرن التاسع عشر إلى مذهب فلسفي.. والنزعة التجريبيّة متى ما اجتمعت مع روح براجماتيّة فسوف تكون نتيجتها المنطقيّة مذهباً نفعياً في الحكمة العمليّة.. مذهباً مهما أردت تشذيبه فهو لا يتخطّى السعادة الإنسانية غاية ومنطلقاً للأحكام العمليّة[6]. وتحت هذا العنوان الواسع يندرج كثير من فلاسفة الغرب من أمثال: جيرمي بنتام وجون ستيورات مل وبرتراند راسل ووليم جيمس وجون ديوي وولتر ستيس وغيرهم. وهؤلاء وإن تباينت مذاهبهم المعرفية ومواقفهم الفكرية, إلا أنه يجمعهم في النظريّة الأخلاقيّة أنهم جميعاً ينشدون المنفعة العامّة.

وفي دراستنا هذه سوف نقتصر على استعراض بعض العيّنات من نظريات ممثّلي هذا النمط الفكري في فلسفة الأخلاق. نروم من خلال قراءة كلماتهم استجلاء الأسس العامّة للأخلاق في هذه المدارس وبيان مرتكزاتها الأساسية ثم نقدها, مع بيان مَعالِم الاتجاه الأخلاقي الذي نؤمن به.

 

الهوامش

[1] تاريخ الفلسفة اليونانية, يوسف كرم: 75, راجعته ونقحته: د. هلا رشيد أمُّون, دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع.

[2] مشكلات فلسفية معاصرة (2), المشكلة الخلقية, د. زكريا ابراهيم: 116, مكتبة مصر.

[3] المصدر السابق: 117.

[4]تاريخ الفلسفة اليونانية, مصدر متقدم: 221.

[5]فيلسوف فرنسي من أعلام الرياضيين. نوّه بأهمّية البحث التجريبي,وحارب الركون إلى أرسطو, حاول التوفيق بين الفلسفة الذريّة وتعاليم الكنيسة.

[6] الأسس العقليّة.. دراسة في المنطلقات العقليّة للبحث في علم أصول الفقه, السيّد عمّار أبو رغيف 2: 595 بتصرّف, دار الفقه للطباعة والنشر- قم, الطبعة الثانية 1426هـ .

 

 

 

 

[202: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني